اسماعيل بن محمد القونوي

7

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

[ العنكبوت : 2 ] الثاني « 1 » والاعتراض بأن هذا المعنى أي احسبوا تركهم غير مفتونين لقوله : آمَنَّا يقتضي أنهم تركوا غير مفتونين لأن الكلام في العلة وهي مصب الإنكار مدفوع إذ لا اعتبار لمفهوم المخالفة عند تعارضه المنطوق عند القائل به إذ قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ العنكبوت : 3 ] ناطق بأنهم مفتونون لكونه عادة اللّه تعالى وأما عندنا فلا مفهوم فلا نحتاج إلى الاعتذار وأجيب عنه بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان ما ذكر متعينا في التقدير أما لو قدر أحسبوا تركهم غير مفتونين بمجرد قولهم : آمَنَّا [ العنكبوت : 2 ] دون اخلاص وعمل صالح استقام ذلك كما صرح به الزجاج وأنت خبير بأن هذا الجواب فيه تسليم فساد التقدير المذكور مع أن الشيخين اختارا ذلك التقدير فاعترض على ظاهره والجواب إنما يكون بدفع المحذور المذكور والعدول عن هذا التقدير واختيار التقدير الآخر فلا يسمى جوابا عنه وهو ظاهر على أن هذا التقدير فيه اعتبار المحذوفات الكثيرة بدون القرينة القوية وأيضا باعث الافتتان مجرد قولهم : آمَنَّا أي نطقهم بكلمتي الشهادتين ولذا لم يلتفت إليه المصنف وإن قال به الزجاج . جعلوا مفتونين ثم علل هذا الإثبات بقوله : أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا [ العنكبوت : 2 ] فالمعنى جعلوا مفتونين لقولهم آمنا فحاصل معنى أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [ العنكبوت : 2 ] أحسبوا أن لا يفتنوا لقولهم آمنا ويرجع هو إلى إنهم يفتنون لقولهم آمنا فاعتبرنا القيد الذي هو أن يقولوا آمنا بعد اعتبار النفي ليكون قيدا للنفي وعلة له فمعنى قوله احسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا لا ينبغي لهم أن يحسبوا تركهم غير مفتونين حاصلا فالنفي بالهمزة لا يتجاوزه فيؤدي إلى أنهم يفتنون ثم قيد بقوله أن يقولوا آمنا أي يفتنون لقولهم هذا فالمراد بهذا القيد تعليل النفي لا نفي التعليل فإن قلت هو تعليل الإثبات لا تعليل النفي لأنك قدرت أن حاصل المعنى يفتنون لقولهم آمنا قلت ذلك الإثبات توجيه نفي النفي فيرجع القيد إلى النفي ونظر صاحب التقريب مبني على اعتبار القيد قبل اعتبار النفي فيؤول المعنى إلى نفي القيد فيرد السؤال المذكور وقيل في جواب هذا السؤال المذكور أن دلالة المفهوم الذي ذكره من أن الكلام في العلة مهجورة لأن الكلام مع قوم مخصوصين كقوله تعالى : لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [ آل عمران : 130 ] قال الراغب الترك رفض الشيء قصدا واختيارا أو قهرا واضطرارا فمن الأول قوله : وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [ الكهف : 99 ] ومن الثاني قوله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ الدخان : 25 ] ومنه تركة فلان لما يخلفه بعد موته وقد يقال في كل فعل تنتهي به إلى ماله نحو تركته كذا ويجري مجرى جعلته كذا ومراد صاحب الكشاف من قوله لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصبر هو هذا المعنى الأخير .

--> ( 1 ) لكن قوله كقولك أحسبت ضربه للتأديب يشعر أن قوله أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا غير متعلق بيتركوا بل هو مفعول ثان لحسب كما في المثال المذكور فإن قوله للتأديب مفعول ثان بتقدير متعلق غير بحسب فكذا هنا فثبت أنه بعد السد مسد المفعولين ليس هنا مفعول ثان فإذا جعل مفعولا ثانيا تكون الآية مما يشتمل على المفعولين المتلازمين كما قاله الفاضل السعدي فقوله ولقولهم آمَنَّا هو المفعول الثاني بناء على عدم سده مسد المفعولين وأما قوله أولا أن قوله أَنْ يُتْرَكُوا ساد مسد المفعولين فبناء على التفسير الثاني تأمل .